في البدء .. أمّي

كتبهامزارع ، في 17 يوليو 2009 الساعة: 21:56 م

 

أحنّ إلى راحة كفّ أمّي ، إلى لمسة  يدها ، إلى خصلةٍ من شعرها ، إلى نظرةً من هدبها ، إلى شتيمةٍ لطفل شقي ، إلى خبز بائتٍ تقدّمه بكسل ، إلى ثوب غير نظيف توبّخني عليه. أحنّ إلى أيّ شيء من أمرها. إلى منديل تمسح به عرق جبينها ، إلى غبار يعلق بكعب حذائها ، إلى قطعة نقدية بسيطة تخبئها في صدرها.
 
أيتها السيدة المبحوحة دائما ، ليهبط عليكِ السلام أينما تكونين ، ولتحرس موكب بهائك ، الملائكة الصغار الجميلين. أعرف أنّك لا تأتين لهنا ، حيث الكلمات ترتصّ لتشرف بنظرة من حذائك ، إننا أقلّ من أن نتطلّع إلى عينيك. هذه الكلمات فقط لمسايرة زفير قلبي كلما تذكّرتك ، وتذكّرت أنّي لم أحدّثك من أمد.
 
أحبّك يا أمّي ، أحبّكِ والله. هل قرأتِ "لوعة الحزن" لمنيف. الكتاب الذي أخطأتُ فمنحتكِ إياه وأنا منصرف عنكِ لرحلتي ، أجزم أنّه آن قراءتكِ توديعه محبّيه ، تذكّرتني وقلتِ: حتى أنا يا منيف ، حتى أنا مصابة بلوعة الحزن. أنا يا أمّي أغبط منيف ، هذا الرجل الذي يسكن بين يديكِ ، يُسيل دمع عينيكِ ، يجعلك تقرئين أكثر وأكثر. إنّني أحسده ، كلّ يوم أقول بجزم: سأكتب لكِ يا أمّي كتباً أجمل من كتب منيف ، أكمل ، أطول ، أروع. منيف يا أمّي رهانٌ صعب ، وأنا بسيط ، وأنا ضحل. هل يمكنني. كلّما تذكّرتُ عيناكِ فرحتانِ بإنجازٍ أكتبه ، أصرخ: يمكنني وأكثر.
 
بخصوص لوعةِ الحزنِ .. إنّها لا زالت مستمرّة. إنّهم يا أمّي يرحلون ، وحده ما خطّوا وراءهم يتركون. رحل بسّام حجّار يا أمي ، ونحن لم نفرغ من عربيّته ، ما بالكِ بما ترجم. رحل درويش ولمّا ننهي تعقّب أثر فراشته. رحل الطيب صالح ، ولمّا نهاجر يا أمّاه ، سنهاجر أنا وأنتِ إلى مدريد ، كما وعدتكِ في طفولتي ، سنأخذ جناحاً فاخراً ، وأغطيكِ بلباسٍ وثيرٍ آن منامك ، لتستيقظي في الصباحِ نشيطةً ، فنجول المدينة التي تحبّين. نهبط الأودية ، نؤمّ الجوامعَ المحالة لمتاحف. نصوّر المنائر تجاور الكنائس. نقف على مصبّات المياه العذبة. سنزور البرزايل أيضاً ، ومن هنالك ، سأشتري لكِ عشرة كيلوات من البنّ الذي تحبّين. تأخذينه من المزرعة مباشرةً ، البرازيل يا أمّي: مزرعةُ بنّ العالم.
 
رحل يا أمي عبدالإله الخطيب. أدرك أنّه مغربيّ. هل تحبّينه ، ولو قليلاً. رحل هنتقتون ، كان أبي يقرأ كتابه ، صدام الحضارات ، وكنتِ أنتِ تسمعين شريط الدكتور العودة وهو يتلو حديثا يشبه التعليقات البسيطة حول هذا الكتابِ الماكر المتكبّر. هنتقتون أحبّ إليّ ، أعقل ، أكبر من اليابانيّ المنسلخ: فوكو ياما. على الأقلّ في بلاده ، ويحبّ لها النصرَ .. ولو كذبا.
 
من لوديان الروح التجفّ ، يخصبها بنداوة صوتك ، من لأمطار الصيف يوزّعها بإتقانٍ على صدري العاري إلى لثام حبّك ، من للشمس تتجمّد ببرودة بلهاء حين لا ترنو لعينيك ، من لهاتفي لعينا كئيبا حقيراً حين لا تجلجل فيه همسات ضحكتك. هاتفي .. مرقص الفرح حين تدندن أغنية اتصالك يا أمّي.
 
أصدقائي .. يحبّونني يا أمّي ، لذا لا تخافيّ عليّ في وحدتي البعيدة. غربتي إن تكن مؤلمة في أمر ، فهو في البعد عنكِ ليس إلا. أودّ لو حدّثتكِ أنتِ ووالدي كثيراً ، أودّ لو شاركتكم الرأي ، الجدال بعنفً حميمٍ حول قلّة ملح الغداء ، ارتفاع سعر الصابون ، تغيّر درجة تبريد التكييف ، والأشياء التي تعرفين ، ونضحك ، نضحك كثيراً حين نتحدّث عن الرواياتِ ، فيسكت أبي ويقول في نفسه: ما هذا الهراء. لم تترك له أكاديميّته أن يجارينا هذا العبث. بصدق: ما أجمل هذا العبث.
 
سأخبرك يا أمّي ، سأعثر على فتاة سمينة ، جيّدة ، وأقول لها: هل عيناي جميلتين ، إذا قالت نعم. سآتيك بها فوراً ، ونبني عشّا صغيراً في البدء ، ونكوّن أسرةً على الفور. هل تريدين أطفالاً يشقشقون خلفكِ: يا جدّة. لا بأس ، سأمنحكِ ثلاثة على الأكثر ، فوق ذلك لربما أظلّ أستدين منكِ أيتها السيّدة. السيدة البنكِ الذي لا أعيد له ما أقترض منه. سآتيك بالفتاة وأقول لها في الطريق إليك: في البدء .. أمّي. وستقول لي: سأحبّها كثيراً ، ليس لكونها والدة حبيبي ، قدرَ ما هو لكونها أمّا رائعة ، وامرأة كبيرة ناضجة ومثقّفة. ولربما نطوف العالم سويّة يا أمّي.
 
أوه يا أمّي ، لديّ الكثير من الكتب الجديدة ، من تلك النوعيّة التي تجعل عيناكِ الواسعتين تلمعان. تلك الكتب التي لا توجد سوى في بيروت. سأحملها في أوّل زيارةِ إليك ، وسنقرأ تعليقاتنا عليها سويّة. ولربما أقول لكِ تعالي لهنا ، في زيارة مستعجلة ، وتحملينها معكِ. ماذا عن العشاء اليوم ، أووه تذكرين اشتراطاتي الصعبة في الأكل. لا عليك ليكن ما يكن. الجدير بالذكر .. أنّني لا يمكن لي أن أحضره. أحبّك يا أمّي.
 
صرتُ يا أمّي كبيراً ، بما يكفي لتحمّل عناء غياب ، صرت قاسياً بما يكفي لنومي دون تقبيل قدميك ، صرت إنساناً يقرأ في السياسة والدين والفقه والتاريخ والأدب والشعر والجنون ، ولا يقرأ ملامح عينيكِ. صرت غريباً بالنسبةِ للثغةِ الطفلِ الذي تذكرين. أحبّك أيتها المرأة الأجمل. وغاضبٌ عليكِ كما أخبرتكِ وأنا صغير: لماذا لم تنتظريني كي أتزوّجك.
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “في البدء .. أمّي”

  1. هنا كل الأسطر تحمّلك مشاعر شتى , مرة أبتسم ومرة تدمع عيني , ومرة أتألم ومرةً ومرّة ..
    لا بأس عليك , لابأس عليك يا صديقي فكل الطرق حتماً تؤدي إلى روماك .
    كن بخير أيها النائم .

  2. تنبّهت متأخّرا هذا الصباح ، وعن طريق أمّي أنّ اسم كتاب الراحل منيف: “لوعة الغياب” ، وليس “لوعة الحزن” كما ذكرت ، وقالت: بأنّ الغياب أكبر من الحزن ، كون الحزن ناتج ، والغياب سبب.
    انتهى الأمر ، أعتذر للقرّاء ، وأشكركم عميقا.

    قبلات يا أمّي

  3. السيّد/السيّدة: نانا
    شكراً جزيلاً لهذا الحضورِ .. العبور
    ممتنّ لكلّ خطوة يأتي بها قريبٌ أو غريبٌ هنا !

  4. اصدق المشاعر هي مشاعر الأم ..
    جماً من اللوعة والشوق تولد في صدري ..
    حنينا لأمي ..

    حركه نثارك هنا ..
    لكم اشتاق لك وللثمك ولشمك ..
    يا .. اغلى واحلى هدية من الله في دنيتي ..

    شكر اً لك .. مزارع ز

  5. عندما أقرأ عن الأم لا أدري من المقصود أمي وما أكنه لها

    أم بناتي وما يمكن أن يحملنه نحوي ..!!

    فأنا في الوسط بين مشاعر الأمومة والبنوة ..
    ولكن يطغى عليا نهاية ..

    احساساتي تجاه أمي التي لا تقاس ..
    جميل ما كتبت وما قصدت والمعاني التي نثرت ..
    ليزيد المولي من بهائك .
    فنجني متعتها ..
    دمت تكلؤك عناية مولاك .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

Lips »