بعير وبعير وآخر
كتبهامزارع ، في 15 نوفمبر 2006 الساعة: 14:36 م
..
.
حكى لي صديقي حينما طلبت منه أن يصمت ، فقال:
أنبئه جده ،عن أبيه ، عمن لقيه من رجالات الوطن في عهد غابر (بشرفي ليس أغبر من حاضر) ، قال-دام صمته-:
كنا ثلاثة عربان مسافرين ، فلقينا رجل لا نعرفه ولا يعرفنا ، سلمنا عليه وَجَلا ، فقال نزِقا: (هويتك ..أنت ويـ…ـاه) ، ولم يكن معنا يا ولدي هوية ، فاقتادنا إلى مخفر الشرطة ، وهناك تم ترحيلنا إلى بعيد ، إلى حيث تسكن الشياطين مصفدة!
**
لعنت صديقي على هذه القصة الفارغة (كنت صغيرا .. صغيرا لا أعرف ما الرمزية) ، ولعنته أخرى على هذا الحديث المخزي في ساعة كهذه ، ولعنته على سحنته التي تشبه سحنة جده المنحوس (سالف الذكر) ، ولعنته كثيرا ..
اكتشفت فيما بعد أن صديقي هذا : (ضد اللعن) ، لقد كان الملعون حقاً حقا .. ((مخبرا)) !
**
التقيته كرّة أخرى (بعد رحلة تكفل بتنسيقها لي من جهده الخاص أخزاه الله وجعلها في ميزان سيئاته) ، طلبت منه عدم الحديث ، وأخبرته أني غاضب عليه ، وأنني أتمنى أن لو سحلت وجهه ( ودققت كتفيه) ، ضحك بسخفٍ وصمت ..
فجأة قال: أنبئني جدي من جهة أمي (بسند متصل) ، عن جده ، قال (وكان مقطوع اللسان كبقية المواطنين في ذلك الزمان .. ولا أدري كيف قال؟!) أنه مرة ذهب ليقابل السلطان ، وتجشم عناء السفر ، واغبرار الطريق (طريق مزدوج ناقة تروح وأخرى تلحقها دونما مجيء) ، وقلة الزاد ، وارتفاع سعر الوقود (قبل التخفيض) ، وكثرة القسائم (خيالة أمن الطرق) ، والرياح والسحاب المسخر والأهوال والأنواء ..
خلاصة الحكاية أن جده وصلَ يطلب العطاء في ساعةِ كان السلطان (يحتضر) ، زجروه ، ضربوه ، أخبروه عن قلة أدبه وعن عدم حسن تربيته ، عن عدم تقيده بالأدب مع ولاة أمره ، وأخبره مشفق منهم (هكذا كان يظنه) أن عليه أمرا لا فضلا .. أن ينتظر حتى (تنفرج) الغمة ، واستجاب الجد المكروب لأكذب نصيحة .. !
وطال الانتظار (وما علم رحمه الله أن السلاطين يطول احتضار أحدهم حتى تغدو الساعة دهرا) ، وتوسل إلى ملك الموت بكل ما يملك من صدقات قدمها قبل عامين ، يوم مات زوجته (الجدة الصالحة) ، وحاول كل ما يمكن .. وأخيرا مات السلطان (الهالك) عن 50 عاما من الحكم و20 عاما من الاحتضار ..!
كان الجد المكروب حينها قد تغير لونه ، وطالت لحيته ، وكثر شيب رأسه واستحال (مواطنا أخرا) ، وحين عاد إلى السلطان الجديد يطلب العطية ردوه خائبا ، كان النظام (قد تغير) والرجل جديد عليهم لا يعرفوه ولا يعرفوا له في سجل الطلبات شيئا ، وكانت الدولة تمر بأزمة بعد أن انخفض سعر البر والزبيب (70 درهما للرطل الواحد) ، وحاول الجد و صاول ولكنه ما أفلح أو (لم يفلح).
وعلى الطريق الدولي بين اليمامة وتهامة ، وفي محطة وقود (للبعران السريعة) قضى الجد المكروب أنفاسه الأخيرة بدون طول احتضار ، ومن ورائه كان خيّال أمن الطرق البرية (يشك ظهر بعيره) بقسيمة مفادها (توقف خاطئ)!
وكأي ميت ..
لم تتسع له صفحات الوفيات ، ولم تدفع قيمة تعزيته أحدى الوكالات .. مضى الجد يطلب العطاء من مكان آخر ، ولا أحد يعلم به إلا بعيره المنكوب ، ورجل أمنٍ يمضغ حبة اسبرين (مختلفة النوعية) يمضِّي بها الوقت كيما يلحق بالجدِّ الهالك وهو يقول بثقل:
أيها العجوز الأحمق .. لا تستطيع أن تعيش كل حياتك على ظهر بعير ..
رد عليه البعير راغيا: فكيف بشعب!
**
هذه المرة .. لم ألعن صديقي ، لم أترحم على جده ، ولم أتفاعل مع الحكاية الأكذوبة ، لم أفعل كل ذلك ، لقد اتعظت من المرة السابقة ، ومن الحكاية الفارغة ، ومن الرحلة التنزهية المجانية ، صحت جذلا ، وبفمٍ ملآن نشوة وحماسا: عاش الوطن ، ولتمت كل (البعارين) !
.
..
.
حكى لي صديقي حينما طلبت منه أن يصمت ، فقال:
أنبئه جده ،عن أبيه ، عمن لقيه من رجالات الوطن في عهد غابر (بشرفي ليس أغبر من حاضر) ، قال-دام صمته-:
كنا ثلاثة عربان مسافرين ، فلقينا رجل لا نعرفه ولا يعرفنا ، سلمنا عليه وَجَلا ، فقال نزِقا: (هويتك ..أنت ويـ…ـاه) ، ولم يكن معنا يا ولدي هوية ، فاقتادنا إلى مخفر الشرطة ، وهناك تم ترحيلنا إلى بعيد ، إلى حيث تسكن الشياطين مصفدة!
لعنت صديقي على هذه القصة الفارغة (كنت صغيرا .. صغيرا لا أعرف ما الرمزية) ، ولعنته أخرى على هذا الحديث المخزي في ساعة كهذه ، ولعنته على سحنته التي تشبه سحنة جده المنحوس (سالف الذكر) ، ولعنته كثيرا ..
اكتشفت فيما بعد أن صديقي هذا : (ضد اللعن) ، لقد كان الملعون حقاً حقا .. ((مخبرا)) !
التقيته كرّة أخرى (بعد رحلة تكفل بتنسيقها لي من جهده الخاص أخزاه الله وجعلها في ميزان سيئاته) ، طلبت منه عدم الحديث ، وأخبرته أني غاضب عليه ، وأنني أتمنى أن لو سحلت وجهه ( ودققت كتفيه) ، ضحك بسخفٍ وصمت ..
فجأة قال: أنبئني جدي من جهة أمي (بسند متصل) ، عن جده ، قال (وكان مقطوع اللسان كبقية المواطنين في ذلك الزمان .. ولا أدري كيف قال؟!) أنه مرة ذهب ليقابل السلطان ، وتجشم عناء السفر ، واغبرار الطريق (طريق مزدوج ناقة تروح وأخرى تلحقها دونما مجيء) ، وقلة الزاد ، وارتفاع سعر الوقود (قبل التخفيض) ، وكثرة القسائم (خيالة أمن الطرق) ، والرياح والسحاب المسخر والأهوال والأنواء ..
خلاصة الحكاية أن جده وصلَ يطلب العطاء في ساعةِ كان السلطان (يحتضر) ، زجروه ، ضربوه ، أخبروه عن قلة أدبه وعن عدم حسن تربيته ، عن عدم تقيده بالأدب مع ولاة أمره ، وأخبره مشفق منهم (هكذا كان يظنه) أن عليه أمرا لا فضلا .. أن ينتظر حتى (تنفرج) الغمة ، واستجاب الجد المكروب لأكذب نصيحة .. !
وطال الانتظار (وما علم رحمه الله أن السلاطين يطول احتضار أحدهم حتى تغدو الساعة دهرا) ، وتوسل إلى ملك الموت بكل ما يملك من صدقات قدمها قبل عامين ، يوم مات زوجته (الجدة الصالحة) ، وحاول كل ما يمكن .. وأخيرا مات السلطان (الهالك) عن 50 عاما من الحكم و20 عاما من الاحتضار ..!
كان الجد المكروب حينها قد تغير لونه ، وطالت لحيته ، وكثر شيب رأسه واستحال (مواطنا أخرا) ، وحين عاد إلى السلطان الجديد يطلب العطية ردوه خائبا ، كان النظام (قد تغير) والرجل جديد عليهم لا يعرفوه ولا يعرفوا له في سجل الطلبات شيئا ، وكانت الدولة تمر بأزمة بعد أن انخفض سعر البر والزبيب (70 درهما للرطل الواحد) ، وحاول الجد و صاول ولكنه ما أفلح أو (لم يفلح).
وعلى الطريق الدولي بين اليمامة وتهامة ، وفي محطة وقود (للبعران السريعة) قضى الجد المكروب أنفاسه الأخيرة بدون طول احتضار ، ومن ورائه كان خيّال أمن الطرق البرية (يشك ظهر بعيره) بقسيمة مفادها (توقف خاطئ)!
وكأي ميت ..
لم تتسع له صفحات الوفيات ، ولم تدفع قيمة تعزيته أحدى الوكالات .. مضى الجد يطلب العطاء من مكان آخر ، ولا أحد يعلم به إلا بعيره المنكوب ، ورجل أمنٍ يمضغ حبة اسبرين (مختلفة النوعية) يمضِّي بها الوقت كيما يلحق بالجدِّ الهالك وهو يقول بثقل:
أيها العجوز الأحمق .. لا تستطيع أن تعيش كل حياتك على ظهر بعير ..
رد عليه البعير راغيا: فكيف بشعب!
هذه المرة .. لم ألعن صديقي ، لم أترحم على جده ، ولم أتفاعل مع الحكاية الأكذوبة ، لم أفعل كل ذلك ، لقد اتعظت من المرة السابقة ، ومن الحكاية الفارغة ، ومن الرحلة التنزهية المجانية ، صحت جذلا ، وبفمٍ ملآن نشوة وحماسا: عاش الوطن ، ولتمت كل (البعارين) !
.
..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 26th, 2006 at 26 ديسمبر 2006 11:30 ص
العزيز : مزارع …
بستانك مليء بالثمر ..سعدت بالتجول فيه …
لك تقديري
يناير 11th, 2007 at 11 يناير 2007 11:00 ص
ههه
سيدي المزارع
نعم لتمت كل البعارين