ملامح مستقبل ماض !

كتبهامزارع ، في 3 سبتمبر 2006 الساعة: 06:07 ص

هاهم الآن يخطرون من أمام نُزلنا يا بني ..

إني أراهم الساعة يتبخترون وهم يسيرون بزيهم العسكري ..

ياللكارثة هاهو أحدهم يقتحم سور الحديقة القصير ويدلف داخل الدار ..

ولقد هم بأن يركل الباب وأنا من خلفه لا يراني ..

  ..أنقذ الأمر أن أحدهم دعاه أو نهاه .. أو لا أدري ما الذي عاد به خارجا

يا ولدي ولقد عاثوا في المدينة خرابا .. أو هاهم يعيثون فيها خرابا .. ليلعنهم الله وليلعن من ألبسهم هذا الزي العسكري ..

هذا الزي الذي يلبسونه من أجل الجندية والشرف والأمن .. فيستحيل إلى بوقٍ لعين يصرخ: أنا قاتل أنا سارق أنا عربيد .. أنا شارب للدم ومنتهك لكل القدسيات والأعراض !

كل المدينة أضنها اللحظة غدت بوارا ودمارا !

حتى الجامع الكبير للمدينة .. ذاك الذي يقبع غير بعيد عن نزلنا أحالوه شيئا بوارا .. منذ أسبوع .. من يوم أن كتب لهم دخول هذه المدينة وهم قد حرموا علينا كل تجوال أو خروج .. ولذلك لم ندخل جامعنا ذلك قط طيلة أسبوع .. يخافون أن نتصل بالله من هناك .. وما علموا أنه معنا هنا أو هناك ..

لكن هل نحن معه با ولدي ..

لا أدري .. لا أدري !

منارة الجامع الشاهقة كان أول ما استفتحت به مدافعهم من أهداف .. باغتوها من قبل أن تزهو بأذان الفجر كأول المستيقظين .. ولقد كرسوا عليها النار من كل مجال ومكان .. ولقد هوت المسكبنة على أم رأسها هامدة أمام الجامع الحزين .. تخالها من بعيد جثة كبيرة لفرعوني قديم .. أو جنازة لرجل من رجال العهد القديم .. متشبثة بالمسجد كوليد شاب بأمه العجوز

  في الليل يا ولدي .. خرجت أنا وجارنا أبو محمد وإمام المسجد متخفين من كل عين لهم ولسان .. حتى إذا استقمنا أمام الجامع رأينا ما حل به فهان أمر منازلنا علينا .. إنه بيت الله .. بيت الله يا ولدي وكفى .. ولقد صلينا على منارتنا تلك .. تلك الصادحة بالأذان من ثلاث وستين عام صلاة الموت ثم عدنا نحو الدور نستبق الخطى مع الموت المتربص بكل حركة وسكنة !

يا ولدي .. ولقد جلست أمام التلفاز .. فتذكرت تلك المشاهد التي كنا نراها من قبلُ في ما جاورنا من دولٍ وبلدان  .. نراها ضاحكين .. ونعلق عليها صادحين .. وإن كان فينا بقية من خير .. دمعنا أو دعونا أو أغلقنا التلفاز ..

 أما اليوم فلقدغدت  المدينة يا ولدي كلها تلفازا كبيرا عريضا صارخا يعرض الكارثة دون حجب أو مذيعة حسناء !

ولقد تذكرتُ فيما تذكرتُ إعراضنا عن البائسين هنالك والمفجوعين الموجوعين .. ولقد تذكرت هزيمتنا في أن ننصرهم ، وحقارتنا في أن نعينهم على أمرهم .. ولقد تذكرت وتذكرتُ .. ولكن هل تنفع الذكرى ساعة إذ في غير حزن يتجدد ويأسٍ يتمدد !

وتساؤلتُ .. أأولئك الذين نكبوا قبلنا .. ترى ماذا يقولون عن نكبتنا الساعة .. عن كارثتنا التي لا تحتاج لمراسل أو خبر عاجل أو تنجيم أو كذب أو تحليلل .. ولقد خشيت أن يتذكرونا فيلعنوا بقيتنا كما لو كنا نحن الذي نبغتهم بالأمس جحودا ..

ولقد كنا كذلك !

هاهم هؤلاء يا ولدي يطرقون الباب الساعة .. سأذهب لأرى ما الذي يبغي الباغون !

إنها الثانية بعد منتصف الليل !

لعنهم الله أية حرمة لم ينتهكوا بعد ؟؟

ولقد وجدتهم ثلاثة من الجنود أنفسهم سكارى .. يبغون ملجئا من ضلمات الليل ومدخلاً من زمهرير الشتاءِ كما تبينتُ ..

 ولقد جاهدتهم كل الجهد من أجل أن أغلق الباب بوجوهم .. ولم يكن لي من ركن شديد !

لعنة الله عليهم وعلى من يفتح لهم الباب بعد اليوم ..

بل لعنة الله على من فتح لهم باب الوطن الكبيرِ بالأمس !!

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “ملامح مستقبل ماض !”

  1. غلطة ودفعنا كلنا تمنها غالي من دماء وارواح وأمن وإستقرار … أين كان العقل عندما إستأمنا الذئب وجعلناه لنار جار ؟ أين كنت منا يا عقل ؟ أين ؟



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر