لعنةُ الشِعر

أكتوبر 1st, 2009 كتبها مزارع نشر في , غير مصنف

في منطق التطور، كما بالنسبة الى الجحافل المتحكمة بالمصير البشري، الحياة تتقدّم الى الأمام. فالعولمة والعلوم الى ازدهار، وكذا الاختراعات، والتكنولوجيات، والاكتشافات الطبّية، والترف المجتمعي، والغنى الفاحش، ومستوى العيش، وإطالة العمر، و"تأخير الموت"، والديموقراطيات، والحريات، والأفكار، وسوى ذلك من علامات الأزمنة ما بعد الحديثة.
في منطق التطور نفسه أيضاً، لكنْ من وجهة نظر معاكسة، الحياة تتقهقر نوعياً ومادياً. فاتساع الهوة بين الشمال والجنوب، والجوع، والمرض، والفقر، والتصحّر، واختلال التوازن، والقتل، والموت، والحروب، والحقد، واليأس، واليباس الروحي…، هذه كلّها الى ازدياد. فإلى أين؟
لا أريد أن أدخل في جدال عقيم حول هذه المسألة. لكنْ، ثمة قلّة قد تكون ترى أن الحياة لا تتقدّم الى الأمام، من حيث الجوهر الروحي والركائز الوجدانية، وإنما توغل في التشوّه والتدمير الذاتي. بالنسبة الى هذه القلّة، يجب اختراع طريقة ما لمنع العالم من الإيغال في هذا المصير، أو في الأقل، لإشاعة قدْرٍ من التوازن النسبي بين واقع الحال وما يُعتقَد أنه يرفع من كرامة العيش و"يحسّن" نوعيته.
كيف؟ الجواب الخاطف اليائس السريع المتسرع: لا أدري. وإذا كنتُ أدري، فلا أحد قادراً بحسب علمي على النهوض بهذا المشروع المضاد لصيرورة التوحشّ الحضاريّ الراهن. ثم لا أنا، ولا سوايَ من أصحاب الأفكار "الرومنطيقية"، نملك القدرة على منع هذا الذي تعتبره قلّةٌ شبه منقرضة، أنه يساوي النزول المدوّي الى القعر، أو الارتطام بالجدار الوجودي المسدود.
بالتأكيد، هناك سيرٌ حثيث في اتجاه حائطٍ كينونيّ غير قابل للتحطيم في المدى المنظور بحسب المعطيات الموضوعية، من علاماته تشييئ الحياة، وتسليعها، وتتفيهها، بما يجعلها أشبه بعلكة للمضغ، تُرمى في ما بعد، في وجه هذه الحياة نفسها، إن في أروقة الدماغ، أو على الطريق العام، أو في سلّة المهملات.
يصرخ صارخ: يجب منع العالم من تقويض مكوّناته وأركانه، بالحؤول دون الإمعان في "التطوّر التشييئي" لنظام الحياة، الى حدّ التهام كل ركائزه الأخرى. مضيفاً: لا بدّ من وجود طريقة "واقعية" لوقف القَدَرية الجهنمية التي تتحكم بهذا المصير.
هذه الطريقة "الواقعية" هي الشعر. تحذيراً، يجب ألاّ يسخرنّ أحد من هذه الطريقة، لئلا ترشقه لعنة الشعر بلعنتها.
القرّاء، وفي مقدّمهم الذين لا يقرأون، أقصد المتحكّمين برقبة المصير البشري، في العولمة والاستهلاك والتسليع والتشييئ والتكنولوجيا العسكرية والنووية والبيئة والاقتصاد والسياسة والعمران، وهم جميعاً من صنّاع القيم والثقافات ما بعد الحديثة، ربما يسخرون من طريقة كالطريقة المشار اليها أعلاه، لـ"إنقاذ" البشرية مما هي فيه، وآيلة إليه.
بسيطة. فليسخر الساخرون المقهقِهون المستخفّون المبالون واللامبالون. وليرفع الآخرون، الذين على الضفة المقابلة، الأيدي استسلاماً ويأساً.
لا أريد أن أضع أحكام قيمة، لكن أسوأ ما يواجه الإنسان، أنه، تحت وطأة السيف المسنون، قد يقبل بالأمر الواقع، الذي لا ينجو من براثنه أحد على الإطلاق، لا الكبار ولا الصغار، لا الغالبون ولا المغلوبون. الأمر الواقع، يطاول البشر في علاقاتهم بالقوة الغاشمة مطلقاً، وفي علاقاتهم بالأنظمة المالية والأخلاقية والديكتاتورية والشمولية والظلاميات ووجوه السياسات المقنّعة، مثلما يطاولهم في المناخ والبيئة والعمران والطبيعة واقتصادات الدول و… الحياة الفردية والفنون والآداب.
بكلمة واحدة: يجب عدم الرضوخ للأمر الواقع. أياً يكن هذا الامر الواقع. ذلك لا يكون فقط باللفظ الخاوي، ولا بتبجّح الثورات والتمرّدات الظاهرية، وإنما - في وجه خاص - من خلال التشبث بموهبة الجوهر القلبي للحياة.

المزيد


Lips

يوليو 26th, 2009 كتبها مزارع نشر في , غير مصنف



في البدء .. أمّي

يوليو 17th, 2009 كتبها مزارع نشر في , غير مصنف

 

أحنّ إلى راحة كفّ أمّي ، إلى لمسة  يدها ، إلى خصلةٍ من شعرها ، إلى نظرةً من هدبها ، إلى شتيمةٍ لطفل شقي ، إلى خبز بائتٍ تقدّمه بكسل ، إلى ثوب غير نظيف توبّخني عليه. أحنّ إلى أيّ شيء من أمرها. إلى منديل تمسح به عرق جبينها ، إلى غبار يعلق بكعب حذائها ، إلى قطعة نقدية بسيطة تخبئها في صدرها.
 
أيتها السيدة المبحوحة دائما ، ليهبط عليكِ السلام أينما تكونين ، ولتحرس موكب بهائك ، الملائكة الصغار الجميلين. أعرف أنّك لا تأتين لهنا ، حيث الكلمات ترتصّ لتشرف بنظرة من حذائك ، إننا أقلّ من أن نتطلّع إلى عينيك. هذه الكلمات فقط لمسايرة زفير قلبي كلما تذكّرتك ، وتذكّرت أنّي لم أحدّثك من أمد.
 
أحبّك يا أمّي ، أحبّكِ والله. هل قرأتِ "لوعة الحزن" لمنيف. الكتاب الذي أخطأتُ فمنحتكِ إياه وأنا منصرف عنكِ لرحلتي ، أجزم أنّه آن قراءتكِ توديعه محبّيه ، تذكّرتني وقلتِ: حتى أنا يا منيف ، حتى أنا مصابة بلوعة الحزن. أنا يا أمّي أغبط منيف ، هذا الرجل الذي يسكن بين يديكِ ، يُسيل دمع عينيكِ ، يجعلك تقرئين أكثر وأكثر. إنّني أحسده ، كلّ يوم أقول بجزم: سأكتب لكِ يا أمّي كتباً أجمل من كتب منيف ، أكمل ، أطول ، أروع. منيف يا أمّي رهانٌ صعب ، وأنا بسيط ، وأنا ضحل. هل يمكنني. كلّما تذكّرتُ عيناكِ فرحتانِ بإنجازٍ أكتبه ، أصرخ: يمكنني وأكثر.
 
بخصوص لوعةِ الحزنِ .. إنّها لا زالت مستمرّة. إنّهم يا أمّي يرحلون ، وحده ما خطّوا وراءهم يتركون. رحل بسّام حجّار يا أمي ، ونحن لم نفرغ من عربيّته ، ما بالكِ بما ترجم. رحل درويش ولمّا ننهي تعقّب أثر فراشته. رحل الطيب صالح ، ولمّا نهاجر يا أمّاه ، سنهاجر أنا وأنتِ إلى مدريد ، كما وعدتكِ في طفولتي ، سنأخذ جناحاً فاخراً ، وأغطيكِ بلباسٍ وثيرٍ آن منامك ، لتستيق

المزيد


جهنم .. باب رقم (6) !

يناير 23rd, 2008 كتبها مزارع نشر في , غير مصنف

لا أدري ما الذي يصنعه هنيّة اللحظة
لكني أستطيع أن أؤكّد أنه ليس بنائم
وأؤكد أيضا أنه ليس بشبعان
وأؤكد أنه ليس بمستلقٍ على سرير وثير
لا لأنه لا يملك
وإنما لأنه لا يستطيع
إنه مسكين
مشكلته الكبرى (أنه يمتلك ضميرا)
وهي الكارثة !
لكني في اللحظة نفسها أستطيع أن أؤكد لكم
أن عباس الآن
إما نائم ، أو سكران
لا لشيء وإنما لأن  مشكلته الكبرى
امتلاكه حذاءً أكبر من اللازم
ولمّا يأتِ اليوم الذي يهبونه حذاء على قدر رأسه/قدمه !
أيضا ربما أحدثكم عن حكّام الخليج
لكن لأعرج أولا على السادة المبجلين في مصر
رهط الفرعون المحنط منذ أمد: حسني
وهو بالمناسبة أصدق رجل يخالف رسمُه اسمه
فلا بحسنٍ ، ولا بمبارك
إلا أن تكون البركة ، بركة الشيطان والمخزاة !
وأبو الغيط ، وأحمد نظيف القذر
هؤلاء الذين يغلقون باب رفح خلفهم
وكأن لا شيء يعنيهم
أو لا أمر يهمهم
في رذالة بئيسة ، لا توصف
ثم يأتي المتحدث باسمهم ، ليعلن عبر الفضاء سوءه
ويبين سوؤته قائلا:
المشكلة ليست من اسرائيل
المشلكة من صواريخ حماسٍ (العبثية) !
أنها لعنة الساديّة ، السادية في أبشع صورها
وأحط مدارجها ، أن نقبّل جلادينا ، ونجلد (النحن) التي لا نمتلك ..
وإنني لأعرف أي وجوه تلك التي يحملون
يوم يخبؤنها من سوء ما ينتظرها من اللعنات
وأعرف أية أردية على سوءاتهم يسدرون
يوم يعودون إلى بيوتهم ، تشيعهم لعنات الشعب العريض
وأرى جيدا ، أية مشاعر يمتلكها هذا الشعب العظيم
شعب مصر ، رغم أني أزعمه ( شعب كلامٍ) أحيانا
لكني أقسم أنه يفوقنا إحساسا ، وضميرا ، وشهامة
نحنُ .. شعب البورصة المنحطّة ، والضمير المعدوم !
أيضا بخصوص والي منطقة الأردن التابعة لجلالة ملك اسرائيل المعظم
بطل سباق راليات الحلبة اليهودية المفتوحة: الشاب الباسل عبدالله بن الحسين ، ..
وأرى تصريحاته اليوم ، باستعداده نقل جرحى غزة إلى مستشفيات الأردن (الشقيق) !
وتبرّعه بدفن امواتهم ، إن لم تكفِ مقابر غزة ، أو غزة المقابر
هذان الوغدان: عبدالله ، وحسني
يُحمّلان أكثر من غيرهم
لا لأنهم شرفاء يحتملون ما لا يحتمله الوضيعون
ولا لأنّ في ضمائرهم/أحذيتهم سعة
ولا لأنهم أهل لمسؤولية ما ..
وإنما لأنهم شهود عيان على هذه المجزرة الرهيبة
وحاضر

المزيد