في منطق التطور، كما بالنسبة الى الجحافل المتحكمة بالمصير البشري، الحياة تتقدّم الى الأمام. فالعولمة والعلوم الى ازدهار، وكذا الاختراعات، والتكنولوجيات، والاكتشافات الطبّية، والترف المجتمعي، والغنى الفاحش، ومستوى العيش، وإطالة العمر، و"تأخير الموت"، والديموقراطيات، والحريات، والأفكار، وسوى ذلك من علامات الأزمنة ما بعد الحديثة.
في منطق التطور نفسه أيضاً، لكنْ من وجهة نظر معاكسة، الحياة تتقهقر نوعياً ومادياً. فاتساع الهوة بين الشمال والجنوب، والجوع، والمرض، والفقر، والتصحّر، واختلال التوازن، والقتل، والموت، والحروب، والحقد، واليأس، واليباس الروحي…، هذه كلّها الى ازدياد. فإلى أين؟
لا أريد أن أدخل في جدال عقيم حول هذه المسألة. لكنْ، ثمة قلّة قد تكون ترى أن الحياة لا تتقدّم الى الأمام، من حيث الجوهر الروحي والركائز الوجدانية، وإنما توغل في التشوّه والتدمير الذاتي. بالنسبة الى هذه القلّة، يجب اختراع طريقة ما لمنع العالم من الإيغال في هذا المصير، أو في الأقل، لإشاعة قدْرٍ من التوازن النسبي بين واقع الحال وما يُعتقَد أنه يرفع من كرامة العيش و"يحسّن" نوعيته.
كيف؟ الجواب الخاطف اليائس السريع المتسرع: لا أدري. وإذا كنتُ أدري، فلا أحد قادراً بحسب علمي على النهوض بهذا المشروع المضاد لصيرورة التوحشّ الحضاريّ الراهن. ثم لا أنا، ولا سوايَ من أصحاب الأفكار "الرومنطيقية"، نملك القدرة على منع هذا الذي تعتبره قلّةٌ شبه منقرضة، أنه يساوي النزول المدوّي الى القعر، أو الارتطام بالجدار الوجودي المسدود.
بالتأكيد، هناك سيرٌ حثيث في اتجاه حائطٍ كينونيّ غير قابل للتحطيم في المدى المنظور بحسب المعطيات الموضوعية، من علاماته تشييئ الحياة، وتسليعها، وتتفيهها، بما يجعلها أشبه بعلكة للمضغ، تُرمى في ما بعد، في وجه هذه الحياة نفسها، إن في أروقة الدماغ، أو على الطريق العام، أو في سلّة المهملات.
يصرخ صارخ: يجب منع العالم من تقويض مكوّناته وأركانه، بالحؤول دون الإمعان في "التطوّر التشييئي" لنظام الحياة، الى حدّ التهام كل ركائزه الأخرى. مضيفاً: لا بدّ من وجود طريقة "واقعية" لوقف القَدَرية الجهنمية التي تتحكم بهذا المصير.
هذه الطريقة "الواقعية" هي الشعر. تحذيراً، يجب ألاّ يسخرنّ أحد من هذه الطريقة، لئلا ترشقه لعنة الشعر بلعنتها.
القرّاء، وفي مقدّمهم الذين لا يقرأون، أقصد المتحكّمين برقبة المصير البشري، في العولمة والاستهلاك والتسليع والتشييئ والتكنولوجيا العسكرية والنووية والبيئة والاقتصاد والسياسة والعمران، وهم جميعاً من صنّاع القيم والثقافات ما بعد الحديثة، ربما يسخرون من طريقة كالطريقة المشار اليها أعلاه، لـ"إنقاذ" البشرية مما هي فيه، وآيلة إليه.
بسيطة. فليسخر الساخرون المقهقِهون المستخفّون المبالون واللامبالون. وليرفع الآخرون، الذين على الضفة المقابلة، الأيدي استسلاماً ويأساً.
لا أريد أن أضع أحكام قيمة، لكن أسوأ ما يواجه الإنسان، أنه، تحت وطأة السيف المسنون، قد يقبل بالأمر الواقع، الذي لا ينجو من براثنه أحد على الإطلاق، لا الكبار ولا الصغار، لا الغالبون ولا المغلوبون. الأمر الواقع، يطاول البشر في علاقاتهم بالقوة الغاشمة مطلقاً، وفي علاقاتهم بالأنظمة المالية والأخلاقية والديكتاتورية والشمولية والظلاميات ووجوه السياسات المقنّعة، مثلما يطاولهم في المناخ والبيئة والعمران والطبيعة واقتصادات الدول و… الحياة الفردية والفنون والآداب.
بكلمة واحدة: يجب عدم الرضوخ للأمر الواقع. أياً يكن هذا الامر الواقع. ذلك لا يكون فقط باللفظ الخاوي، ولا بتبجّح الثورات والتمرّدات الظاهرية، وإنما - في وجه خاص - من خلال التشبث بموهبة الجوهر القلبي للحياة.














